عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

38

معارج التفكر ودقائق التدبر

إنّ هذا المنسلخ من آيات اللّه قد استعمل حرّيّة إرادته بإيثار الحياة الدنيا ، واتباع أهوائه وشهواته للاستمتاع بأنواع متاع الدنيا ، ولم يعمل بما يحقّق له السّعادة الحقيقيّة في الدنيا والآخرة ، مع علمه بذلك ، فآيات اللّه بدلالاتها قد كانت محيطة به كإحاطة جلده به ، وكان ملتصقا بها وممتحنا بتطبيق مضمونها ، وحين أحسّ بثقل التكاليف على نفسه ، انسلخ منها . ودلّت عبارة : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ على أنّه اطمأنّ إليها ، ولازم انحطاطها ، وآثر شهواته ولذاته وأهواءه منها ، وآثر أنواع متاعها العاجل ، غير متعال إلى سماوات الكمالات ، وغير ساع إلى مرضاة العليّ المتعالي . وهنا يطوي النّصّ تساؤلا يقدّمه المتفكّر بشأن هذا المنسلخ من آيات اللّه ، ومضمون هذا السّؤال : هل حقّق هذا المنسلخ من آيات اللّه ، بإيثاره الحياة الدّنيا ، وإخلاده إلى الأرض ، واتّباعه هواه ، ما كان يصبو إليه من متاع الحياة الدّنيا . ويأتي الجواب الرّبّانيّ فيدلّ بإشاراته الأدبيّة الرّفيعة ، على أنّه لم يحقّق ذلك لنفسه ، بل استمرّ يتابع أهواءه وشهواته ، ويلاحقها دواما ، في كدّ لاهث ، يتناول فيه رذاذ لذّات عابرات ، بينما هو في محيط من الكدّ والكدح والملاحقة ، كملاحقة أمواج البحر لسفح الجبل ، بغية أن ترتقي إلى أعلاه ، فتتكسّر على صخراته ، ويستمرّ هذا اللّاهث يعاود محاولاته دون أن يروي ظمأه ممّا يصبو إليه . وأحر بهذا الكادح الكادّ اللّاهث ، الّذي يبتغي الوصول إلى ما يشتهي من متاع الحياة الدّنيا وزينتها ، متّبعا هواه ، أن يكون مثل كدّه ، ولهثه فيه ، وأن تكون صورة حياته النفسيّة ، وصورة حياته المعاشيّة : كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ .